أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
457
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : فَمَنْ بَدَّلَهُ : « من » يجوز أن تكون شرطية وموصولة ، والفاء : إمّا واجبة إن كانت شرطا ، وإمّا جائزة إن كانت موصولة ، بلفظ المؤنّث لأنّها في معنى المذكّر ، وهو الإيصاء . أو تعود على نفس الإيصاء المدلول عليه بالوصيّة ، إلّا أنّ اعتبار التذكير في المؤنث قليل وإن كان مجازيا ، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك : هند خرجت والشمس طلعت ، ولا يجوز : الشمس طلع ، كما لا يجوز : « هند خرج » إلّا في ضرورة . وقيل : تعود على الأمر والفرض الذي أمر به اللّه وفرضه . وكذلك الضمير في « سمعه » والضمير في « إثمه » يعود على الإيصاء المبدّل ، أو التبديل المفهوم من قوله : « بدّله » . وقد راعى المعنى في قوله : عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إذ لو جرى على نسق اللفظ الأول لقال : « فإنّما إثمه عليه - أو على الذي يبدّله » . وقيل : الضمير في « بدّله » يعود على الكتب أو الحقّ أو المعروف . فهذه ستة أقوال . و « ما » في قوله : بَعْدَ ما سَمِعَهُ يجوز أن تكون مصدرية أي : بعد : سماعه ، وأن تكون موصولة بمعنى الذي . فالهاء في « سمعه » على الأول تعود على ما عاد عليه الهاء في « بدّله » ، وعلى الثاني تعود على الموصول ، أي بعد الذي سمعه من أوامر اللّه . قوله تعالى : فَمَنْ خافَ : يجوز فيها الوجهان الجائزان في « من » قبلها . والفاء في « فلا إثم » هي جواب الشرط أو الداخلة في الخبر . و « من موص » يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون متعلقة بخاف على أنها لابتداء الغاية . الثاني : أن تتعلّق بمحذوف على أنها حال من « جنفا » ، قدّمت عليه ، لأنها كانت في الأصل صفة له ، فلمّا تقدّمت نصبت حالا . ونظيره : « أخذت من زيد مالا » إن شئت علّقت « من زيد » ب « أخذت » ، وإن شئت جعلته حالا من « مالا » لأنه صفته في الأصل . الثالث : أن تكون لبيان جنس الجانفين : وتتعلّق أيضا بخاف . فعلى القولين الأولين لا يكون الجانف من الموصين بل غيرهم ، وعلى الثالث يكون من الموصين . وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي : « موصّ » بتشديد الصاد والباقون بتخفيفها . وهما من أوصى ووصّى ، وقد تقدّم أنهما لغتان ، إلّا أن حمزة والكسائي وأبا بكر هم من جملة الذين يقرأون « وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ » « 1 » مضعّفا ، وأنّ نافعا وابن عامر يقرآن : « أوصى » بالهمزة ، فلو لم تكن القراءة سنّة متبعة لا تجوز بالرأي لكان قياس قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص هناك « ووصّى » بالتضعيف أن يقرآ هنا « موصّ » بالتضعيف ، وأما نافع وابن عامر فإنهما قرآ هنا « موص » مخففا على قياس قراءتهما هناك و « أوصى » على أفعل . وكذلك حمزة والكسائي وأبو بكر قرأوا : « ووصّى » هناك بالتضعيف فقرأوا هنا « موصّ » بالتضعيف على القياس . والخوف هنا بمعنى الخشية وهو الأصل ، وقيل : بمعنى العلم وهو مجاز ، والعلاقة بينهما هو أنّ الإنسان لا
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 132 ) .